ابو القاسم عبد الكريم القشيري

203

شرح الأسماء الحسنى

فصل : ما خص به اللّه تعالى الأغنياء والفقراء : واعلم أن اللّه سبحانه خص الأغنياء بوجود الأرزاق ، وخص الفقراء بشهود الرزاق ، وأن من سعد بوجود الرزاق ما ضره ما فاته من وجود الأرزاق ، ومن عرف أنه هو الرزاق رجع إليه فيما يسنح له من جليل خطب ودقيق شغل ، لأنه علم أنه لا شريك له في رزقه كما لا شريك له في خلقه . وقيل : إن موسى ، عليه السلام ، قال يوما في مناجاته : إنه لتعرض لي الحاجة الصغيرة أحيانا أفأسألها منك أم أطلبها من غيرك ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه لا تسل غيرى وسلني حتى ملح عجينك وعلف شاتك . وسمعت الشيخ أبا على يقول : من علامات المعرفة أن لا تسأل حوائجك ، قلّت أو كثرت ، إلا من اللّه تعالى ، مثل موسى ، اشتاق إلى الرؤية فقال : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 1 » واحتاج مرة إلى رغيف ، فقال : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ « 2 » طلب القليل والكثير من اللّه . ويحكى عن حماد بن مسلمة أنه قال : كان في جواري امرأة أرملة لها أيتام ، وكانت ليلة ذات مطر ، فسمعت صوتها تقول : يا رفيق ارفق ، قال : فخطر ببالي أنها أصابتها فاقة ، فصبرت حتى احتبس المطر فحملت معي عشرة دنانير ودققت عليها الباب ، فقالت : حماد بن مسلمة ، فقلت : نعم حماد ، كيف الحال ؟ فقالت : خير وعافية ، احتبس المطر ودفى الصبيان ، فقلت : خذي هذه الدنانير وأصلحى بها بعض شأنك ، قالت : فصاحت بنية لها خماسية « 3 » : لا نريد يا حماد

--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية : 143 . ( 2 ) سورة القصص الآية : 24 . ( 3 ) إما سنها خمسة أعوام أو طولها خمسة أشبار .